عراق كارتون – Iraq Cartoon

Category Archives: المقالات

ناجي العلي في حضن حنظلة وثائقي يستعيد الكاريكاتير المقاوم

ناجي العلي في حضن حنظلة وثائقي يستعيد الكاريكاتير المقاوم

حين كان رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي يلتقف قلمه ليخط على ورقة بيضاء تفاصيل شخصيته الكاريكاتيرية الشهيرة “حنظلة”؛ الفتى العربي الممزق الثياب والمنكس الرأس، كان الرسم بالنسبة إليه فعل “مقاومة”، وقتالا مُعلنا ومُضمرا في ذات الوقت، مع “العدو مغتصب الأرض” ومع من تنازلوا أيضا من إخوانه العرب عن حلم استعادة هذه الأرض، وضمان عودة الآلاف من المهجرين “قسرا” إلى وطنهم.

هكذا عاش

فحنظلة، الذي يغوص في تفاصيل الصورة ويدير ظهره للعالم مذهولا بهول مشاهد الواقع التي يعيد إنتاجها ناجي العلي من وحي الواقع العربي المأزوم، صار في سجل مُبدعه ليس فقط رمزا فنيا وجماليا، بل أيضا أداة تحليلية فكك من خلالها هذا الفنان الفلسطيني الواقع ونقده، وقاوم الظلم وغبنه.

هكذا عاش “ناجي العلي” بعد وفاته قبل 27 عاما في حضن حنظلة، الذي حفظ ذكراه وسيرته، وهي الحياة التي يستعيدها الفيلم الوثائقي الفلسطيني “ناجي العلي في حضن حنظلة” لمخرجه الفلسطيني “فايق جرادة” على ضوء شهادات مثقفين وأدباء كانوا مقربين من هذا الفنان الفلسطيني، وفي مقدمتهم الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، يُفصلون خلال أطوار الفيلم في العلاقة بين هذا المُبدع ورسوماته الكاريكاتيرية.

فـ”ناجي العلي في حضن حنظلة”، المشارك حاليا في مهرجان “أوروبا والشرق للفيلم الوثائقي” بمدينة أصيلة، شمالي المغرب، يستعيد معركة المواقف المبدئية التي خاضها “العلي” من أجل الحفاظ على وهج ريشته واستقلاليتها، التي اعتبرها مقربون منه “بندقية كان موصبة دائما في اتجاه العدو الصهيوني”.

3 لحظات

ورصد الفيلم رسومات العلي من خلال ارتباطها بثلاث لحظات زمنية أساسية؛ أولها: تلك اللحظة التي ربطت رسوماته بالقضية الفلسطينية باعتبارها مركز اهتمامه الأول ومصدر إلهامه الأساسي، وثانيها تلك التي وصلته بالأمة العربية بكل آمالها وآلامها وانكساراتها، فصار حنظلة عربيا بعد أن كان فلسطينيا، أما اللحظة الأخيرة فكانت إنسانية بامتياز .

الفيلم لم يكتف بالتوثيق التقليدي لفصول حياة ناجي العلي، ولا اقتصر على استعادة تفاصيل اغتياله وموته، في المنافي بعيدا عن أرضه، بل ذهب إلى حد تفكيك دلالات رسومات الفنان الفلسطيني في بعدها الجمالي الفني ومضامينها الرمزية ومنطوقها اللفظي وغير اللفظية.

ويعيد الفيلم التذكير بأيقونة “حنظلة” التي استطاعت أن تكشف الشخصية العربية، وبالأخص شخصية اللاجئ الفلسطيني الذي يطل على وطنه من وراء أسلاك الفصل وجداراته، وهو يناضل من أجل استقلاله، وعلى المُهجرين وهم يعانون لوعة الغياب عن الوطن ويمنون النفس بعودة قريبة، وعلى مشاهد الشعوب العربية وهي ترزح تحت الفقر والتهميش وضياع الهوية.

الشخصية التي صنعها رسام الكارياتور الفلسطيني ورافقت كل رسوماته، يرصدها الفيلم كـ “شخصية إشكالية” تتلون في كل رسم بألوان المأساة التي يعيشها الواقع العربي، وتتطبع بهواجس ومخاوف رجل الشارع العربي، وتلاحق المأسي العربية والفلسطينية بثيابها الممزقة ورأسها المنكس وتقاسيم وجها الغائبة.

اللحظات المفصلية التي يعيشها اليوم العالم العربي، “المنتفض على أنظمة الاستبداد التي شلت حركته السياسية لعقود، وعطلت نهضة الثقافية لسنوات”، على ما يقول مخرج الفيلم الفلسطيني فايق جرادة، تُعيد إلى الذاكرة العربية وبإلحاح شخصية حنظلة مرة أخرى، وحتى بعد موت العلي منذ أكثر من سبعة وعشرين عاما ما يزال هذا المُبدع الفلسطيني في “حضن حنظلة” يُستعاد إسمه وتاريخه النضالي متى عاد حنظلة مرة أخرى ليطل برأسه المنكسر على الجمهور العربي في أحد “رسومات ناجي العلي” المُستعادة.

السينما المتجاوزة

وأضاف جرادة: “إن السينما الفلسطينية، والوثائقية منها على وجه التحديد استطاعت أن تروي الحكاية المُغيبة عن واقع معاناة الشعب الفلسطيني وترصد تفاصيلها وتنقلها إلى العالم، بل إن دور السينما الوثائقية كما هو الحال في رسومات ناجي العلي، تتجاوز حدود الجمالية الفنية أو التعبيرية الرمزية، لتصبح إبداعا يُوثق للذاكرة الفلسطينية ويؤرخ لما عاشه الشعب الفلسطيني من نكبات ونكسات على مدى صراعه الطويل لاسترجاع حقوقه وأرضه المغتصبة”.

جرادة تابع أن إنتاج هذا الفيلم “جاء نتيجة تعاون مع السينمائي المغربي الحبيب الناصري، وكان رحلة شاقة سواء في البحث عن مصادر الدعم أو استقاء المعلومات والشهادات؛ فالأوصال المقطعة للأراضي الفلسطينية والحواجز الممتدة بين الضفة وغزة، حالت دون الوصول إلى الكثير من الشخصيات التي كانت على صلة وثيقة بـناجي العلي وإلى عدد من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين الذين عايشوا هذا المُبدع، وكانت شهاداتهم مصدر غنى وتميز للفيلم”.

وحصل فيلم “ناجي العلي في حضن حنظلة” على جائزة “أفضل فيلم” في مهرجان الإسكندرية الدولي السنة الماضية، ويتبارى في مهرجان “أوروبا والشرق للفيلم الوثائقي” على الجائزة الكبرى (جائزة الجزيرة الوثائقية) إلى جانب تسعة أفلام أخرى.

 

https://al-sharq.com/article/12/09/2014/%D9%86%D8%A7%D8%AC%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%B6%D9%86-%D8%AD%D9%86%D8%B8%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82%D9%8A-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85

ابرز واقدم رسامين الكاريكاتير في العالم

ابرز واقدم رسامين الكاريكاتير في العالم

لكل شئ بداية كذلك بداية فن الكاريكاتير كان على يد مجموعة رائعة من الفنانين و الرسامين العرب ، ولذلك في هذه المقالة سوف نقوم بعرض تاريخ فن رسم الكاريكاتير بالعالم ليس ذلك فقط بل سوف نقوم بتناول ابرز واقدم واهم الرسامين الذين ابتدعوا فن الكاريكاتير واخذوه مهمنة لهم وبرعوا فيه من بين هؤلاء مجموعة اشخاص اتخذوا من اجل الدفاع عن قية ما تبناوها و تبنوا الدفاع عنها كمثل الرسام ناجي العلي الذي اتخذ رسومات الكاريكاتير من اجل الدفاع عن القضية الفلسطينية و فضح افعال اسرائيل المشينة وكذلك الرسام رخا هو ايضا اول رسام مصري يقوم بأستخدام فن الكاريكاتير من اجل توضيح معاناة السجون في مصر و غيرهم الكثيرون تابع معانا عزيزي القارئ لكي تتعرف عليهم ..

رخا أول رسامي الكاريكاتير

جاء ميلاده في عام 1911 ميلاديا هو اول رسامي الكاريكاتير في العالم يعود اصوله الى مصر ، المثل الاعلى للرسام رخا هو الفنان  صاروخان فهو يعتبر الاب الروحي له  ، نشر رخا العديد من رسومات الكاريكاتير وكانت بغرض اسقاط الملك فؤاد وهذا ادى الى القاءه في السجن وظل به لمدة اربع سنوات … لقد اصدر رخا مجلة خاصة به تحت أسم ” أشمعنى ” ، في عام 1948 ميلاديا قام رخا بأنشاء الجمعية المصرية للكاريكاتير و تولى هو رئاستها .Rakha

الفلسطيني  ناجي العلى صاحب شخصية ” حنظلة ”

من بين اقدم رسامي الكاريكتير في العالم العربي و يعتبر الاب الروحي لهذا الفن .. الفنان الفلسطيني ناجي العلى صاحب شخصية حنظلة و هي شخصية اختراعها ناجي ليس لها وجود ، لقد ولد ناجي العلى بداخل قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة و هي قرية فلسطينية ، تعرض الى الاعتقال اكثر من مرة من قبل القوات الاسرائلية لانه كان له نشاط سياسي و كان يقوم بنشر العديد من الرسوامات المعاديو لاسرائيل .

قام باختراع شخصية حنظلة و نشرها بداية من عام 1969 ميلاديا يمثل شخصية حنظلة طفل في العاشرة من عمره واختار ناجي هذا السن لانه هو السن الذي خرج فيه من ارضه فلسطين مجبورا بعد الاحتلال الذي وقع عليها ، تظهر شخصية حنظلة على هيئة طفل مكتوف الايد وراء ظهره و هذا الاختيار كان من قبل ناجي لكي يظهر اعتراضه على الاحداث الجارية التي تحدث على ارض الشهداء فلسطين .Personal cartoons Hanzalah

رسام الكاريكتير ” على المندلاوي “

من أشهر رسامي الكاريكتير الذين ظهروا في منتصف السبعينات على ارض العراق الرام على المندلاوي وهو رسام عراقي قام بنشر العديد من الرسومات الخاصة به في العديد من الصحف العراقية و العربية ، اشتهر برسوماته لكتب الاطفال فلقد وضع رسومات لاكثر مايزيد عن 40 كتاب للطفل ، من ابرز واهم اعماله قيامه بتأسيس تجمع ضد القمع كان مقره في لندن .Mandalawi

رسام الكاريكتير ” جواد حجازي ”

من اشهر رسامي الكاريكتير جاء ميلاده في عام 1937 ميلاديا ولد في  الزقازيق بالشرقية ، لقد ررس الفنون الجميلة وحصل على على دبلومة في الإخراج المسرحي من المعهد العالي للفنون المسرحية ، نشر له مجموعة كبيرة من اعماله ففي جريدة الأهرام ،كان كاتب ايضا وقام بتأليف العديد من القصص القصيرة وكانت معظمها للاطفالJawad al-Hijazi

رسام الكاريكاتير ” مصطفى حسين ”

مصطفى حسين من أشهر رسامي الكاريكاتير في العالم ، كان يؤيد بشدة الرئيس الراحل حسني مبارك ، جاء ميلاده في عام 1935 ميلاديا ، درس بداخل كلية الفنون الجميلة وتخرج منها عام 1959ميلاديا ، ابتكر العديد من الشخصيات الخيالية كان ابرازها و اشهرها كل من  ” شخصية  فلاح كفر الهنادوة ، و شخصية سيسي مان ،وشخصية  عباس العرسة ، و شخصية علي الكومندا ، و قاسم السماوي ، و عبده مشتاق ” وقدم العديد من الرسومات الكاريكاتيرية .Mustafa Hussein

فنّ الكاريكاتير من منظور فلسفي

فنّ الكاريكاتير من منظور فلسفي

فنّ الكاريكاتير من منظور فلسفي

محمد عرفات حجازي

فنّ الكاريكاتير من الفنون التشكيلية المُحبّبة لقلوب الناس وعقولهم، ليس فقط لأنّه يُضحكهم ويُرفّه عنهم ما يجدون في واقعهم التعس، وإنّما لجرأته في التعبير عن همومهم، والبوح بما يختزنونه في صدورهم، وربّما، حين يُصوَّب على الأخطاء ليُصلحها، يُدغدغ أحلامهم في حياة أفضل..

يمتلك فنّ الكاريكاتير القدرة الساحرة على السخرية، وعلى ممارسة النقد ببلاغة فائقة، بل يمكن القول أنّه: البلاغة إلى أقصاها.. ومع ذلك يظلّ السؤال عن مدى تأثيره وقدرته على حلّ مشكلات بعينها؟!

يُعدّ الكاريكاتير فنّ ساخر من فنون الرسم، وهو صورة تُبالغ في إظهار تحريف الملامح الطبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، إمّا بطريقة بسيطة جدًّا أو مُبالغ فيها، وعادةً ما يتمّ تقديمه بطريقة ساخرة لنقد السلبيات أو لمدح الإيجابيات.

والكاريكاتير اسم مُشتقّ من الكلمة الإيطالية <كاريكير>، التي تعني “يُبالغ، أو يُحمّل ما لا يُطيق”، والتي كان موسيني أول مَن استخدمها سنة 1646م. وفي القرن السابع عشر كان جيان لورينزو برنيني ـ وهو مثّال ورسّام كاريكاتيري ماهر ـ أول مَن قدّمها إلى المجتمع الفرنسي، حين ذهب إلى فرنسا عام 1665م.

وقال الفنان محمد عبد اللطيف (صحفي ورسام كاريكاتير بجريدة اليوم السابع) أن: الكاريكاتير هو فنّ انفعال الإنسان بكلّ ما يدور حوله باعتباره جزءًا من مجتمعه بكلّ مشكلاته وتعقيداته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهو فنّ جموح الخيال والسخرية نحو واقع مؤلم.. وهو بالأساس فنّ تحريضي لتغيير المجتمعات للأفضل، وكبسولة مُركّزة لأفكار دسمة، غلافها السخرية ـ التي هي بالأساس فلسفة لدى شعوب كثيرة على رأسها وفي المقدمة الشعب المصري..

وهو نظرة تهكّمية تعتمد على دقّة الملاحظة، وسُرعة البديهة، مع نظرة تُنقّب عن السخرية في المواقف، من خلال تقاطيع الوجه وتعبيرات الجسد في شكل مختلف عن الواقع.

ولعلّ هذه العملية المُعقّدة تُوضّح أنّ أهمّ مُواصفات فنان الكاريكاتير الموهبة الخاصة جدًا، والتي يُعزّزها نوعٌ من الذكاء والقدرة على التحليل، والبديهة السريعة التي تُسعفه للتعبير عمّا يُريد، بالإضافة إلى قدراته على اختيار اللفظ الخفيف القصير، وإدراكه لكلّ ما يدور حوله من مشكلات وأحداث بجانب توافر الثقافة العامة لديه وإحساسه بكلّ ما يدور في أذهان الناس من أفكار ومشكلات وهموم. ولهذا قال فنان الكاريكاتير الإنجليزي فيكي: من الصعب جدًا العثور على فنان كاريكاتير مُتميّز في فنّه.

وأشارت فنانة الكاريكاتير المصرية الشابة دعاء العدل (جريدة المصري اليوم) إلى أنّه ليس هناك ميثاق مُعلن للكاريكاتير، ففنان الكاريكاتير لا بدّ أن يكون من النزاهة بحيث إنّه لا يستخدم الكاريكاتير لمصالحه الشخصية، بل يتعيّن عليه أن يرسم ما يتوافق مع ضميره والشأن العام.

إنّ الصورة الكاريكاتيرية رسالة من الفنان إلى المُتلقِّي من خلال سياق مُشترك قائم على بنية الواقع الذي يعيشونه معًا، ومن هذا المُنطلق، فإنّ الفكرة الكاريكاتيرية تنقسم إلى أنواع منها: الكاريكاتير الاجتماعي الذي يُبرز من خلاله الفنان قضايا وتناقضات الواقع الاجتماعي، والكاريكاتير السياسي والغرض منه نقد الواقع السياسي سواء على المستوى المحلي أو العالمي. ومن خلال بساطته يكون له تأثيرًا كبيرًا؛ لأنّه يُعبّر بصدق وشفافية، ويبعث على البسمة والضحك، والأمل أحيانًا.

ورغم استخدام رسام الكاريكاتير الخطوط البسيطة في نقل المعنى والمضمون، إلا أنّ له الدور الأبرز في الدفاع عن قضايا مهمة كحقوق الإنسان، وإظهار عيوب المجتمع في صورة ساخرة مُمتعة تدعونا إلى إحداث التغيير في ثوابت راسخة مُتجذّرة في الواقع، غالبًا ما تتطلّب التجديد.

وقد قال المؤرخ الفني جومبريتش، والمُحلّل النفسي والمؤرخ الفني إرنست كريس: تطوّر الكاريكاتير من نُكتة مُعقّدة تُلقى لإمتاع أصدقاء الفنان ليصبح سلاحًا اجتماعيًّا يكشف القناع عن ادّعاء القوة ويقتل بالسخرية. فالكاريكاتير كما يقولون: قد يكون مُعبّرًا عن الشخص أكثر من نفسه.

ويقول الفنان هاني شمس (رسام كاريكاتير جريدة أخبار اليوم): دور الكاريكاتير في المجتمع هو التنبيه والإشارة إلى وجود ظواهر سلبية، وذلك عن طريق إلقاء الضوء عليها وفضحها بشكلٍ ساخر، ربّما لا يضع حلولًا لذلك، فهو ليس دور الفنّ عمومًا، لكنه يرصد الظواهر السلبية، ويُحلّلها، ويُوجّه أصابع الاتّهام وينتقد المُخطئين من وجهة نظر الرسام طبعًا. وهناك دور آخر للكاريكاتير في تحديد توجّهات المواطن العادي ـ الذي ربّما لجأ لرسام الكاريكاتير يُتابعه على مدى سنوات، ونشأت بينه وبين القارئ أواصر ثقة، ليُحدّد من خلاله توجّهاته عندما يلتبس الأمر عليه في كثير من الأحيان والمواقف.

ويُبرز الفنان الكاريكاتيري الساخر واحدًا من أشدّ الأسلحة التعبيرية مضاءً في معركة الوجود القائمة.

فرسام الكاريكاتير في العالم الغربي، يُؤلّف صورة للتناقض الحاد بين آمال الرسام وحقائق وجوده الصارخة.. إنّه شبح التوقعات غير السعيدة لعصر ينتظر نهاية مأساوية لهذه الحقبة الراهنة.. إنه المُعبّر عن اغتراب الإنسان ووجوده التعس.

وهو في عالمنا العربي المُشتّت، يحمل قوّة الهجاء العنيف التي تتصدى لكافة مظاهر الفساد والانحلال، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي، سياسيًّا أو دينيًّا، فنيًّا أو أخلاقيًّا إلخ..

إنّ الهدف من فنّ الكاريكاتير ليس الضحك والسخرية فقط، بل هو تقويم وتهذيب وإصلاح ونقد ـ في كثير من الحالات؛ وذلك من خلال نقد أشكال القُبح أو النقص أو الخروج عن المألوف داخل المجتمع. وتكمن خطورة هذا الفنّ في سهولته وبساطته وسرعة وصوله إلى عقل كلّ إنسان باختلاف ثقافته أو وظيفته أو وضعه الاجتماعي.

وذهب الأديب الروسي مكسيم غروكي إلى أنّ فنّ الكاريكاتير ذو قيمة اجتماعية نافعة، يعكس أشياءً مُختلفة غير منظورة بوضوح لنا، وبأسلوب بسيط، يعكس لنا وجوهًا وأنماطًا جديدة مُعيّنة لتصرّفات أناس يعيشون بيننا. ورأى الكاتب الصحفي عادل حمودة أنّ فنّ الكاريكاتير فنٌّ مُشاغب ومُشاكس، يجرح ولا يُدمي، يُوقظ ولا يقتل، لكن في مثل هذا الواقع العربي المرير الذي يختلط فيه الهزل بالإهانة، نجد أنّ فنّ الكاريكاتير يتجاوز السخرية إلى تعليم الناس وإقناعهم بالثبات على مواقفهم، ويُحاول أن يُعيد إلى المُتلقِّي الحقائق المفقودة والبديهيات التي ذابت في الغيوم.

وقد لمع الكاريكاتير الساخر خلال ثورات الربيع العربي بشكل واسع. فأصبح في تونس جزءًا لا يتجزأ من الحدث السياسي، وتُعدّ نادية خياري من أشهر رسامي الكاريكاتير في تونس بعد ثورة الياسمين. وفي مصر، كان للكاريكاتير دورٌ كبير في النهضة الثقافية، والذي عكس طبيعة المجتمع المصري ودُعابته وفكاهته مُنذ القدم، الأمر الذي جعل الدكتور محمد صابر ـ وزير الثقافة ـ يدعو إلى نشر ثقافة الكاريكاتير؛ لأنّها شديدة الروعة والتعبير والروح الفكاهية أحيانًا والعبثية أحيانًا أخرى. وقال في حوار أجرته معه صحيفة الأهرام: الشعب المصري فنان، وأَدْرَك أنّ الرسم وسيلته في التعبير، والسخرية السلاح الرئيس الذي أدركه قادة الحروب منذ سنوات.

إنّ الكاريكاتير هو إحدى ملامح الديمقراطية، وأحد أهم الأغصان الجديدة في شجرة السلطة الرابعة. ومن حيث الأسلوب، يعتمد المبالغة في تضخيم أو تصغير القسمات والملامح واللعب العابث بها. ولأنّ هذا الفنّ في أغلب أحيانه له علاقة بالسياسة والقضايا الكبرى في العالم عامة والوطن العربي خاصة، فإنّ الأمر يضيف أبعادًا جديدة على أهمية هذا الفنّ. وربّما نستطيع أن نقول: إنّ فنّ الكاريكاتير هو الأقرب إلى الإنسان العربي لكونه فنًّا طريفًا ومُمتعًا من جهة، وهو ضربة قاضية تُصوّبها ريشة راسمها عبر إدراج رأي مُعيّن في حركة فنيّة خفيفة من جهة ثانية.

وقد بقيت أعمال العديد من فناني الكاريكاتير خالدة، كونها تحمل قدرًا كبيرًا من الشفافية والاستشرافية وقراءة الواقع بصدق وخيال خلاّق، ضمن منظومة ترتكز على الأخلاق والفكر المستنير، في إطار لوحة تقوم على الانتقاد اللاذع، والتعبير النثري الذي لا يخلو من الوجع بالأزمات السياسية التي مرّ بها الوطن العربي. فكان صدق انتماء هذا الفنان أو ذاك ـ هويته، والإيمان بقضيته جواز سفره إلى العالم أجمع..

إنّ فنان الكاريكاتير يحمل قلمين، ويُحارب جبهتين، ويتّجه في سبر أغوار الدواخل من خلال منظارين. إنّه وهو يمضي في نزع الأقنعة، وسبر أغوار النفوس، لا ينسى أنّه مُحارب، وأنّه يحمل سلاحه في معركة المصير.

وبعد هذا، أفلا يكون الفنان الكاريكاتيري فيلسوفًا ورسام تناقضات ومُحاربًا في ذات الوقت؟!..

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

فن الكاريكاتير في الصحافة العراقية منذ النشوء وحتى الوقت الحالي

فن الكاريكاتير في الصحافة العراقية منذ النشوء وحتى الوقت الحالي

بقلم: صلاح نادر المندلاوي
2010-11-01
اضغظ للحصول على الحجم الطبيعي للصورةفي منتصف شهر أيلول من عام 1931، نشرت جريدة (حبزبوز) البغدادية الفكاهية على صدر صفحاتها الأولى، صورة كاريكاتيرية ساخرة، بهوية محلية جديدة، بريشة الرسام عبد الجبار محمود. وقد انتقدت هذه الصورة التهكمية حالة الانفلات الأمني الحاصل يوم ذاك التي كادت تؤدي بحياة نوري ثابت نفسه صاحب جريدة (حبزبوز)، حيث أظهرت نوري ثابت بملابس الفرسان الأوربيين. وهو يمتطي المدفع الفلكلوري (طوب أبو خزامة) المعروف لدى البغداديين، حاملاً بيده قلماً طويلاً كسلاح الرمح القديم وقد التفت بوجهه إلينا بابتسامة ساخرة وهو يعلق عن محاولة اغتياله تلك من خلال حوار يضم سؤال وجواب بلهجة عامية كتبت تحت الصورة كما يلي:

شنو هاي حبزبوز، أشوفك راكب على طوب أبو خزامة، تريد تصير مثل سلطان مراد؟!، فيرد حبزبوز: (لا مولانا لكن ما دام أبنص اوتيل أنضرب ست رصاصات، فمنا وغادي قررت بعد ما اركب بعربانة أو سيارة، بل أخذت هذا الطوب من وزارة الدفاع حتى أتجول عليه.. هم المسألة اقتصادية لان معلوم حضرتكم هنا يلهم التراب يصير بارود ويلهم الحجار يصير دان أي (قنابل) أريد رجال إلي يتقدم).
وكان المرحوم (نوري ثابت) قد تعرض قبل أن يصدر جريدته بأيام قليلة، وبينما كان يجلس في (أوتيل ما شاء الله) الواقع في محلة الحيدر خانة في شارع الرشيد إلى محاولة اغتيال من قبل شخص أطلق عليه الرصاص فأخطأه.. ثم فر هارباً.

ورغم ان فن الكاريكاتير اكتسب شرعيته الصحفية منذ أمد بعيد جداً.. فقد أشارت المصادر التاريخية أقدم ما عرف بعلاقة الكاريكاتير بالصحافة كان في الصين منذ أكثر من ألف سنة تقريباً..! كما عرف الكاريكاتير في أوربا منذ بداية القرن التاسع عشر من خلال رواج الطباعة (الجرافيكية) على ألواح الزنك والأحجار الليثوغرافية.

آما نشأة فن الكاريكاتير العربي فقد كان مع بداية تطور الصحافة المصرية في ثلاثينيات القرن المنصرم، بما يمتاز للفنانين المصريين بروح النكتة ونفاذ الفكرة ورشاقة الخطوط، فضلاً عن إسهامهم المتفاعل في عملية النقد الاجتماعي والسياسي الجاد بكل حرية وسداد. وقد استخدم الكاريكاتير في الصحافة كسلاح نقدي وتوجهي مهم، يهاجم، يوعظ، يستفز، يمرض، يعري، يستهزئ… الخ، متمتعاً بدوراً جماهيرياً وشعبياً كبيراً في استلهام ومعالجة وطرح الموضوعات الساخنة على الساحة بشكل ملحوظ.

إلا إن هذا الفن الرفيع والخطير لم يدخل صحافة العراق، إلا من خلال بعض رسوم الصحف والمجلات الواردة إلى البلد في العقد الثالث من القرن الماضي.. ولعدم وجود متخصصين برسم الكاريكاتير، فقد كانت تتم تقليد وتحوير هذه الرسومات (الأجنبية) بطريقة ما… و بالتأكيد لا تحمل في ثناياها روحية فنان، أو إنها تنتسب بهوية خاصة.. إلآ ان أول كاريكاتير مميز بمعناه الفكري والتنفيذي والذي كان اللبنة الأولى لصرح الكاريكاتير العراقي فيما بعد هو الرسم الذي نوهنا عنه سلفاً والذي نشر يوم 19/9/1931.

وقد دبت (الموتيفات) الصحفية البسيطة والمقتبسة تأخذ حيزها المتواضع هنا وهناك في الصحف الأخرى حينذاك على أنها (كاريكاتيرات) ..
مع بداية تعدد الصحف والمجلات الفكاهية الهزلية، اتسمت هذه الفترة بالتطور السريع لفن الكاريكاتير، وكانت أولها وأبرزها جريدة (حبزبوز) الساخرة، إذ كانت لها الريادة الصحفية الصحيحة في رسم هوية وملامح الكاريكاتير الناقد على الصفحات الأولى من أعدادها في المجلات السياسية والاجتماعية العامة، وكان أول من رسم لهذه الجريدة هو الفنان عبد الجبار محمود ثم الفنان ناصر عوني وسعاد سليم كذلك الفنان المعروف فائق حسن الذي رسم الكاريكاتير في فترة مبكرة من حياته التي قضاها في الرسم اثر رجوعه من فرنسا.

إلا أن أول من رسم كاريكاتير بطابع عراقي خالص وهوية محلية خاصة هو الفنان الشعبي الشهير غازي عبد الله، التي نالت رسوماته الساخرة استحسان وتعاطف جميع أبناء الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه، فقد كان يرسم بروحية صادقة وانسجام متكامل مع ما يرسمه بتقاليد وبيئة وأمثال وأغاني الفلكلور العراقي…

وقد ظل يرسم منذ نهاية الأربعينيات حتى وفاته عام 1999 إلا إن طابع ومميزات سخريته المرسومة لها نكهة خاصة، فقد كان بحق مدرسة أصيلة للكاريكاتير العراقي.

وما بين فترة منتصف الستينيات والسبعينات، برزت نخبة جديدة من رسامي الكاريكاتير الشباب (المتخصصين)، وهم يحملون أفكاراً واعية ورغبة جامحة بتجسيد واستلهام الواقع الاجتماعي مل له رؤيته الخاصة في عملية الترجمة الموضوعية، وكل لديه إسلوبه الفني الذي يميزه عن الآخرين، حيث الاختزال في الخطوط والمتعة في المشاهدة، وقد أثبتت رسوماتهم حضورها الجماهيري الفاعل ونستطيع أن نطلق عليهم الرعيل الثاني وهم عامر رشاد وعادل شنتاف وبسام فرج وضياء الحجار وفؤاد حسون ومؤيد نعمة ورائد نوري وعبد الرحيم ياسر ونزار سليم وموسى الخمسيني…

ومع بداية الثمانينات، برزت مجموعة أخرى من رسامي الكاريكاتير يحملون السمة المتميزة بهذا الفن ويمتعون بمواهب فنية وفكرية حاذقة ومنهم: خضير الحميري، عبد الكريم سعدون وعباس فاضل وشيرين الراوي وحمودي عذاب وعلي الدليمي وكفاح محمود وعبد الحسن وعلي المندلاوي وناصر ثامر واحمد الربيعي وآخرون.

أما جيل التسعينيات فكان للفنانين أركان الزيدي وصلاح نادر المندلاوي وامجد حميد وشمال جمال وبرهان المفتي وعفراء صلاح الدين والذين كان لكل منهم بصمته الخاصة في هذا الفن ولم يقتصر فن الكاريكاتير في العراق على الصحافة فقط، بل كانت له معارضه المتخصصة الشاملة على قاعات العرض التشكيلية وعلى الهواء الطلق.. فضلاً عن المشاركات الدولية وحصده على جوائز متقدمة في المحافل العالمية لفن الكاريكاتير.

الكاريكاتير عالم الرسوم الساخرة

الكاريكاتير عالم الرسوم الساخرة

الكاريكاتير عالم الرسوم الساخرة
مهدي سلمان الرسام

 

يعد فن الكاريكاتير من اهم الوسائل المعبرة عن القضايا الاجتماعية والسياسية، بطريقة مختزلة، وتحظى بمتابعة واسعة من قبل قراء الصحف والمجلات وحتى المواقع الالكترونية.

وعلى الرغم من التأريخ العريق الذي يملكه الكاريكاتير في العراق، الا ان هذا الفن شهد خلال السنوات الاخيرة تراجعا واضحا لم يسعفه الاتساع الكبير في اصدار الصحف والمجلات على الساحة العراقية، لاسباب تتعلق بالانحسار المستمر لمساحة حرية التعبير، والازمة التي يعانيها الاعلام المكتوب في العراق.

الكاريكاتير هو فن ، يعتمد على رسوم ، تبالغ في تحريف الملامح الطبيعية ، أو خصائص ومميزات شخص أو حيوان أو جسم ما . غالباً ما يكون التحريف في الملامح الرئيسية للشخص ، أو يتم الاستعاضة عن الملامح بأشكال الحيوانات ، والطيور ، أو عقد مقارنة بأفعال الحيوانات.

الكاريكاتير اسم مشتق من الكلمة الإيطالية “كاريكير”( Caricare) التي تعني ” يبالغ ، أو يحمَّل مالا يطيق ” (Overload) والتي كان موسيني (Mosini) أول من استخدمها ، سنة 1646. في القرن السابع عشر، كان جيان لورينزو برنيني ( Gian Lorenzo Bernini) وهو نحّات و معماري ( مصمّم نوافير روما المشهورة) ورسام كاركاتيري ماهر، أول من قدمها إلى المجتمع الفرنسي ، حين ذهب هناك عام 1665.

فن الكاريكاتير فن قديم ، كان معروفاً عند المصريين القدماء ، والآشوريين ، واليونانيين . فأقدم صور ومشاهد كاريكاتيرية ، حفظها التاريخ ، تلك التي حرص المصري القديم على تسجيلها على قطع من الفخار والأحجار الصلبة ، وتشمل رسوماً لحيوانات مختلفة ، أُبرزت بشكل ساخر اضطلع برسمها العاملون في تشييد مقابر وادي الملوك ، بدير المدينة ، في عصور الرعامسة ، ويرجع تاريخها إلى عام 1250 قبل الميلاد. ولا تُعرف الغاية ، التي توخاها الفنان المصري من هذه الرسومات ؛ فلعلها كانت إشارة غير صريحة ، إلى العلاقة غير المتوازنة ، بين الحاكم والمحكوم ، التي كانت سائدة في تلك الفترة ، جسّدها النحاتون في أسلوب ساخر ، خفي المعنى.

وجديرُ بالذكر ، أن فن الكاريكاتير ، كان شائعاً عند اليونانيين الذين ذكروا أن مصوراً يونانياً يدعى بوزون ، صوّر بعض المشهورين من أهل زمانه ، في شكل يدعو إلى السخرية ، الأمر الذي أدى إلى عقابه غير مرة ، من دون أن يرتدع. ذكر بلنيوس المؤرخ ، أن بوبالوس وأتنيس ، وهما من أشهر مثّالي اليونان ، صنعا تمثالاً للشاعر الدميم ايبوناكس ، وكان التمثال أشد دمامة، إلى درجة أنه كان يثير ضحك كل من كان ينظر إليه ؛ فاغتاظ الشاعر منهما ، وهجاهما بقصيدة لاذعة ، لم يحتملاها ، فانتحرا. ومن اشهر رسامي الكاريكاتير في العراق

مؤيد نعمة ، عبد الرحيم ياسر ، خضير الحميري ، عدنان عباس ، شيرين الراوي وهي اول رسامة كاريكاتير في العراق ، احمد الربيعي ، علي المندلاوي ، رضا حسن رضا ….واخرون .

وقد ازدهر فن الكاريكاتير في إيطاليا ، فأبدع الفنانون الإيطاليون كثيراً من الأعمال الفنية. ومن أشهرهم تيتيانوس (1477-1576)، الذي عمد إلى مسخ بعض الصور القديمة المشهورة ، بإعادة تصويرها بأشكال مضحكة.

يجد المتابع للصحف العراقية في بغداد بين الحين والآخر رسماً كاريكاتيرياً لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي او رئيس الجمهورية جلال الطالباني، في موقف يعرض وجهة نظر انتقادية لعمل هذين المسؤولين او بشكل يؤيدهما. وهذه الرسوم تكررت في واقع الامر مع ساسة آخرين في حكومات سابقة أعقبت سقوط نظام صدام. ولكن هذه الرسوم التي تشخص المسؤولين في الدولة العراقية الجديدة تنشر عادة في صحف صغيرة او معارضة للحكومة، ومن قبل رسامين مجهولين، ما عدا رسوم قليلة ظهر فيها نوري المالكي، على صفحات الشرق الاوسط الدولية التي توزع في بغداد بشكل يومي، فهي بريشة رسام معروف هو امجد رسمي.

وفي كل الاحوال، يبدو ان هذه الرسوم المنشورة في الصحف العراقية، والتي تنتقد شخصيات في الحكومة بالاضافة الى تلك التي تصور اوضاعاً او حالات انسانية يمر بها المواطن العراقي، يبدو ان هذه الرسوم لا تثير حفيظة رجال الدولة، ولم يلاحق أحد ما هؤلاء الرسامين بسبب رسومهم. وهو أمر يؤشر عادة في خانة (حرية التعبير) التي تتسع في مكانٍ ما وتضيق في مكان آخر في الاعلام العراقي.

المشهد العام للكاريكاتير في العراق الآن يؤشر استمرار هيمنة الجيل السبعيني والثمانيني من رسامي الكاريكاتير، وغياباً واضحاً للمنافسة من قبل رسامين أحدث عمراً. فعقب سقوط نظام صدام، كان ثلاثة من أكثر رسامي الكاريكاتير شهرة في العراق، يسيطرون ببساطة على مساحات الرسم الكاريكاتيري في اغلب الصحف العراقية الجديدة. حيث كان الراحل مؤيد نعمة ينشر على مساحة نصف صفحة في جريدة المدى البغدادية، رسماً كاريكاتيرياً وبشكل يومي، بالإضافة إلى خضير الحميري الذي أنتقل من المدى الى جريدة الصباح الجديد، ثم استقر مؤخراً على صفحات جريدة الصباح شبه الحكومية. والرسام الثالث هو عبد الرحيم ياسر، الذي يعرف بكونه رساماً مقلاً ولا يميل إلى كتابة تعليق داخل رسمه الكاريكاتيري. وهو ينشر أيضا في جريدة الصباح بالإضافة إلى صحف أخرى.

 

وقبل وفاته مطلع ديسمبر 2005 كان مؤيد نعمة ينشر في عدة صحف. وهذه العمل في صحف كثيرة يؤشر في الحقيقة غياب منافسة رسامين آخرين لهم قدرة فنية وآدائية تماثل ما لدى هؤلاء الرسامين الثلاثة.

ومع ذلك، فأن المتصفح للجرائد العراقية سيجد للكاريكاتير حضوراً دائماً، في كل صحيفة تقريباً، برسوم أقل جودة موقعة بأسماء شبابية ظهرت مع صحافة العهد الجديد، والكثير من هذه الأسماء ربما تختفي بعد ظهور قصير، كما أن صحفاً أخرى لا تتورع عن نشر رسوم ركيكة جداً تشبه رسوم المبتدئين والتلاميذ، تحت خانة الكاريكاتير. وهذه الصورة بمجملها تؤشر تراجعاً في حضور هذا الفن، وتلاشي ما كانت الصحافة العراقية تعتز بتسميته ” المدرسة العراقية في فن الكاريكاتير”، تمييزاً لها عن مدارس عربية شهيرة.

 

كان لرسامي الكاريكاتير في الثمانينيات شعبية كبيرة لدى متابعي الصحف والمجلات العراقية. وكانت مجلات شهيرة مثل “ألف باء” تعطي مساحة أكثر من أربع إلى خمس صفحات أسبوعيا لثلاثة رسامي كاريكاتير على الأقل. بالاضافة الى الصحف اليومية التي تنشر الكاريكاتير بنسبة عالية. واصدر بعض هؤلاء الرسامين كتباً خاصة برسومهم، إلا ان فترة التسعينيات شهدت هجرة عدد من الرسامين مثل علي المندلاوي، او التفرغ للفن التشكيلي أكثر، مثل عبد الكريم السعدون، أو الوفاة مثل ما حصل مع عباس فاضل، الرسام الأكثر شعبية في تلك الأوقات، والذي خلق شخصية “أم ستوري” الشهيرة، ليعبر من خلالها عن انتقاداته للظواهر الاجتماعية أو عمل بعض دوائر الدولة.

وكان أغلب الرسامين، إن لم يكن كلهم، واقعاً ـ في رسومه السياسية ـ تحت ضغط حاجات المؤسسة الاعلامية للنظام. وهذا ما يبدو انه تغير بعد سقوط النظام. فاضحى الرسام حراً في رسم ما يشاء، دون املاء من احد. وكانت هناك حاجة واضحة لدى بعض الصحف العراقية الجديدة لانتقاد النظام السابق في الرسوم الكاريكاتيرية، وهذا ما تحول الى موضة شائعة، ثم سرعان ما هيمنت موضوعات الساعة على الرسم الكاريكاتيري، من الزحامات الشديدة في العاصمة الى الحواجز الكونكريتية المتكاثرة، إلى الفساد الإداري، إلى الصراعات السياسية، وغياب الأمن وغيرها من الموضوعات التي تلقى اهتماماً من قبل المواطن العادي.

ومن الأشياء الطريفة أن يعيد خضير الحميري نشر واحد من رسومه في التسعينيات، وكأن المشكلة التي سخر منها وانتقدها في ذلك الوقت مازالت حاضرة، حيث يظهر في الرسم مصباح في غرفة عائلية. العائلة تلتفت فجأة الى المصباح بعد صدور صوت منه. المصباح يضيء لثانية او ثانيتين وهو يقول للعائلة: نعتذر عن هذا التيار، ونواصل الانقطاع. الحرية التي نتحدث عنها عند رسام الكاريكاتير العراقي ليست مفتوحة على مصراعيها بكل تأكيد، فلم يقترب رسام الكاريكاتير من الشخصيات الحزبية، خصوصاً الدينية منها، كما ان الاملاءات والتوجيهات من قبل ادارات الصحف للرسامين ليست غائبة تماماً. ثم أنهم لا يتجاوزون عدد اصابع اصابع اليد الواحدة أصلاً.

وهذه الندرة في رسامي الكاريكاتير المحترفين ربما تدفع أسماء جديدة متمرسة في الرسم عموماً لدخول هذا المجال. الذي يحتاج، بالاضافة الى المهارة في الرسم، الى الثقافة والوعي وحس المفارقة والدعابة، وهذه الصفات هي التي ميزت اساطين الرسم الكاريكاتيري في العراق.

المصادر / ملتقى العراقيين والعرب

موقع نقاش / الكاتب احمد السعداوي

مهدي سلمان الرسام

الكاريكاتير في الصحافة العراقية وجريدة حبزبوز

الكاريكاتير في الصحافة العراقية وجريدة حبزبوز

ضياء الحجار
توطئة: حار  الباحثون في وضع تعريف دقيق لكلمة الفكاهة، وذلك لكثرة الانواع التي  تتضمنها واختلافها فيما بينها. اذ تشمل السخرية واللذع والتهكم والهجاء،  والنادرة والدعابة والمزاح والنكتة. والتورية والهزل والتصوير الساخر  (الكاريكاتير).والسخرية هي ارقى انواع الفكاهة، لما تحتاج من ذكاء، وخفة  ومكر، وهي لذلك اداة دقيقة في ايدي الفلاسفة والكتاب والفنانين

 الذين يهزأون بالخرافات والعقائد المنحرفة والسلوكيات الخاطئة.وقد دخلت السخرية الى معظم الفنون، ومنذ قرون وقرون. ففي الادب العربي القديم نجدها تبتدىء في هجائيات (عبيد بن الابرص) ولا تنتهي في هجائيات (المتنبي) اللاذعة. ذلك في الشعر، كما نراها نثرا في ما خلفه لنا الجاحظ في ما اورده عن البخلاء والمعلمين وغير ذلك. ونجدها في تراث الادب العالمي الروائي ممثلة في روائع الاعمال كرواية (دون كيشوت) للاسباني (سرفانتس) و(النفوس الميتة) و (المفتش) للروسي (غوغول) وفي معظم اعمال الاميركي (مارك توين).
ونجدها في المسرح، منذ القدم في كوميديات (ارسطوفان) التي تجمع بين البذاءة والصخب والفكر الراقي.. الى (موليير) الذي اضاف للكوميديا نغمات من المأساة وسقاها من فكره الواعي الحزين.. كعدو البشر ودون جوان وطرطوف… الخ ونجدها ايضا في كوميديات تشيخوف وبرناردشو وبرخت، وغيرهم.
وتسللت السخرية الى السينما بنت القرن العشرين، فانجبت من خلال هذا الاقتران اعظم الساخرين (شارلي شابلن) الذي بدأ مهرجا وانتهى فيلسوفا ومبدعا من خلال دمجه للضحك والبكاء في اعماله الساخرة.
ومنذ القدم ايضا دخلت السخرية الى فنون التشكيل نحتا ورسما وخزفا الا انها اليوم في الرسم اشد اقترانا لاسباب عديدة لعل اهمها سهولة ممارسة الرسم، وسرعة انجازه وبساطة ادواته وسهولة نقلها قياسا بالنحت والخزف وحتى الحفر.. هذا الاقتران بين السخرية والفنون التشكيلية والمقصود منها الرسم غالبا، انجب (فن الكاريكاتير).
والكاريكاتير بهذا المعنى، فن قديم جدا نشأ بنشوء الانسان على الارض، حيث لازالت كهوف (كامبرل) في فرنسا وكهوف جنوب الجزائر تحتفظ ومنذ ثلاثين الف سنة مضت. على العديد من رسومات انسان العصر الحجري، ذات النزعة الكاريكاتيرية الواضحة.
كما نجد في الاثار الفنية لحضارات وادي الرافدين. كالسومرية والاشورية والبابلية جذورا واضحة للكاريكاتير وكذلك الحال بالنسبة للحضارة الفرعونية وبقية الحضارات القديمة الاخرى كما عرفت الحضارة العربية الاسلامية، الرسم الساخر حيث نجد في رسومات الواسطي الكثير مما يدل على ذلك.
وفي عصر النهضة رسم الفنان دافنشي الكثير من التخطيطات الكاريكاتيرية، ثم انتشر وشاع بعد ذلك في اوروبا.. الا انه لم يوظف في الدعاية والجدل كسلاح، الا في عصر الاصلاح الديني بتأثير (مارتن لوثر) في المانيا.
ومنذ ذلك التاريخ، تعاظمت اهميته وتوسع وانتشر جماهيريا بفضل تطور وسائل الطباعة والصحافة.. كما تطورت مفاهيمه واساليبه تطورا كبيرا في القرن العشرين، فلم يعد فن الاضحاك الخالي من الهدف. كما لم يبق معزولا عن تطورات الحركات التشكيلية وثوراتها. حيث اندمج في خضمها واستوعب بطريقته استلهام جديدها.
ومنذ بدايات القرن العشرين توسع الكاريكاتير وتفرع. ولم تعد الصحف ميدانه الوحيد. فقد دخل السينما والتلفزيون عبر افلام الرسوم المتحركة. مثلما ظهرت رسوم الشرائط الهزلية المصورة (CDMICS) التي تعتمد الكاريكاتير اساساً كما استخدم في تصاميم الاعلانات والعلب والملابس واللعب. ورسوم الكتب المدرسية. ولازال الطريق امام الكاريكاتير مفتوحا للدخول الى مجالات جديدة.
وقد بدأ الاهتمام بالكاريكاتير يتسع عالمياً بعد الحرب العالمية الثانية. حيث يجري توثيقه ودراسته وتقييمه. في العديد من دول العالم كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الاميركية وغيرها. كما راحت اغلبية متاحفها الكبيرة تقتني رسوم الكاريكاتير.
رسم الكاريكاتير والصحافة
في عام 1830م اصدر الصحفي والرسام والطباع الفرنسي المشهور (شارل فليبون) اول صحيفة هزلية مصورة في العالم تعتمد الكاريكاتير مادة اساسية فيها.. وقد اسماها (الكاريكاتور) ثم ما لبث ان تبعها باصدار صحيفة كاريكاتيرية اخرى اسماها (شاريفاري)، وبالاضافة الى ما كان ينشره فيهما من رسومه الكاريكاتيرية، فقد استعان بالرسام العبقري (دومييه) في الرسم لهما ايضا.. ومنذ هذا التاريخ بدأت العلاقة بين الكاريكاتير والصحافة بشكلها العصري المعروف تقوى وتشتد وتنتشر سريعا في كل دول العالم.
رسم الكاريكاتير المعاصر في العراق
برغم ان الصحافة دخلت الى العراق في العام 1869 الذي شهد ولادة اول صحيفة عراقية. هي جريدة الزوراء التي اسسها والي بغداد مدحت باشا. ثم ولادة جريدة الموصل عام 1885 وجريدة البصرة عام 1889.. الا ان هذه الصحف لم تكن تنشر صورا ناهيك عن الكاريكاتير وفيما تلا ذلك. وما بين عام 1908 واخريات عام 1933 صدرت في العراق تسعون مجلة ومائتان وثلاث عشرة جريدة بين سياسية وادبية وفكاهية.. فكان مجموع المجلات والجرائد ثلثمئة وثلاث خلال هذه الحقبة.
ومن بين كل هذا العدد الكبير من الصحف والمجلات لم تصدر سوى جريدة كاريكاتيرية واحدة. هي جريدة حبزبوز التي صدر العدد الاول منها في 29 ايلول 1931 وهو وقت متأخر لظهور الكاريكاتير في العراق قياسا بمصر مثلا التي عرفت صحافتها الكاريكاتير منذ اواخر القرن التاسع عشر.
فلماذا تأخر الكاريكاتير في الظهور على صفحات الصحف العراقية كل هذا الوقت الطويل؟
يعزو بعض المهتمين بالكتابة عن تاريخ الصحافة الهزلية والكاريكاتير في العراق اسباب هذا التأخر الى امور عديدة، فـ (روفائيل بطي) يقول ان الشخصية العراقية جادة بطبيعتها بعيدة عن روح الفكاهة، خلافا (مثلا) للشخصية المصرية المطبوعة بالمرح والفكاهة، هذا في الجانب الاجتماعي… اما في الجانب الفني، فيقول، ان الكاريكاتير والكتابة الهزلية بمعناهما العصري. فنانان جديدان في تلك الفترة على العراق.. وعدم ظهورهما مبكرا يعود لعدم توفر الشروط الموضوعية لظهورهما انذاك.
اما جميل الجبوري فيعزو سبب جدية الشخصية العراقية وابتعادها عن روح الفكاهة والمرح الى كثرة ما مر بالعراق من مآس ومحن ونكبات وويلات جراء الغزو والاوبئة والامراض واخطار الفيضانات… مما طبع حياة العراقي بطابع جاد لا يخلو من سمات الحزن والالم مما انعكس على امثال الشعب واقواله واغانيه واهازيجه حتى النكتة العراقية، اتصفت بالغصة المكبوتة والسخرية المريرة.
ومع اتفاقنا التام على صحة هذا الكلام.. لكننا لا يجب ان نغفل اهمية العامل التقني وعدم توفره كسبب رئيسي في تأخر ظهور الكاريكاتير في الصحافة العراقية.
فعندما بدأ هذا الفن بالظهور والانتشار في صحافة العالم المتقدم منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر. كان العراق ولايات عثمانية لم تدخلها المطابع الا في العقود الاخيرة لذلك القرن.. وحتى هذه المطابع كانت حجرية ومتخلفة تكنولوجيا عن مثيلاتها في تركيا وسوريا ولبنان ومصر..
وحتى تطبع المطابع التي كانت موجودة في العراق انذاك صورا او عناوين ثابتة.. كان اصحاب الصحف والمطابع يستعينون بمعامل (الزنكغراف) الموجودة في اسطنبول. وبعدها تلك الموجودة في لبنان لصنع الكلائش لتلك الصور والعناوين.. اذ ان اول (زنكغراف) محلي تأسس في العراق عام 1930، لذلك نلاحظ ان معظم الصحف العراقية قبل العام 1930 كانت شبه خالية من الصور والرسوم.. والقليل المنشور منها كان يكلف اصحاب الصحف غالياً. لان كلائشها تصنع خارج العراق كما ذكرنا..
اذن فخول (الزنكغراف) الى العراق عام 1930 اتاح نشر الصور في الصحف العراقية، وبالتالي وفر الفرصة لظهور الكاريكاتير.. وهذا ما حدث بالفعل.. اذ تأسست اول صحيفة كاريكاتيرية في العراق وهي جريدة حبزبوز عام 1931 اي بعد عام واحد من تأسيس اول معمل للزنكغراف في بغداد وهو معمل (زنكغراف البرق).
وقد توفر مع بداية عقد الثلاثينيات العنصر الفني المتمثل بالرسامين حيث كانت الحركة التشكيلية في العراق قد بدأت تشب متطلعة الى ما حولها للاخذ باسباب التطور والنضوج على ايدي عدد من الفنانين اهمهم عبدالجبار محمود وسعاد سليم وفائق حسن وعطا صبري. وغيرهم وكان الكاريكاتير احد الجوانب التشكيلية التي استهوتهم، حيث شكلت اعمالهم التي نشروها في حبزبوز البدايات الاولى لهذا الفن في العراق.. ولا يفوتنا أن ننوه الى ان المرحوم نوري ثابت نفسه كان ايضا رساما كاريكاتيريا نشر اعماله في جريدته، فكان بحق يكتب ويرسم الكاريكاتير بجدارة.
اول رسم كاريكاتيري في تاريخ الصحافة العراقية كان موضوعه (الانفلات الأمني)!
تطلق صفة (الكاريكاتير الايجازي) على اغلب رسوم الكاريكاتير التي تنشرها الصحف والتي تغطي احداثا او تعلق عليها بتكثيف وايجاز.. ولوحة الكاريكاتير الكاملة مؤلفة بالضرورة من عناصر عدة هي: 1. الخط. 2. الكتلة. 3. الفراغ. 4. اللون. 5. الحركة. 6. المفارقة. 7. المبالغة. 8. الموضوع. 9. المضمون. 10. الهدف. 11. التعليق.
ومن خلال البحث في مجلدات الصحف العراقية القديمة والفكاهية منها بالذات تم التأكد من ان اول رسم كاريكاتير ايجازي عراقي صميم ويحتوي كامل العناصر المذكورة اعلاه. ظهر في الصحافة العراقية هو للفنان (عبدالجبار محمود) نشر على الصفحة الاولى للعدد الاول من جريدة حبزبوز التي اصدرها المرحوم نوري ثابت بتاريخ 1931/9/29، ويصور هذا الرسم الكاريكاتيري شخصا هو (نوري ثابت نفسه الملقب حبزبوز) وقد ظهر بملابس الفرسان ممتطيا (طوب ابو خزامة المشهور فلكلوريا في العراق). وقد حمل بيده قلما طويلا، كناية عن رمح الفارس وكلاهما سلاح. وقد توجه بنظراته وابتسامته الساخرة الى القراء. وفوق الكاريكاتير تعليق هو (سيارة حبزبوز الجديدة وقلمه السيال) وتحت الكاريكاتير حوار من سؤال وجواب.
السؤال موجه لحبزبوز (نوري ثابت) يقول: شنو هاي.
حبزبوز؟ اشو راكب على طوب ابو خزامة؟ تريد تصير مثل سلطان مراد؟!
ويجيب حبزبوز ـ لا مولانا! لكن مادام بنص اوتيل انضرب ست رصاصات فمنا وغادي. قررت بعد ما اركب بعربانة او سيارة… بل اخذت هذا الطوب من وزارة الدفاع حتى اتجول عليه!.. هم المسألة اقتصادية لان معلوم حضرتكم هذا يلهم التراب.. يصير بارود ويلهم الحجار يصير دان (اي قنابل).. اريد رجال اللي يتجدم.
وكان المرحوم (نوري ثابت) قد تعرض قبل ان يصدر جريدته بايام قليلة وبينما كان يجلس في (اوتيل ما شاء الله) الواقع في محلة الحيدرخانة في شارع الرشيد. الى محاولة اغتيال من قبل شخص اطلق عليه الرصاص فأخطأه. ثم فر هارباً.
وواضح ان هذا الرسم يحتوي كامل عناصر الكاريكاتير من خط وكتلة وفراغ وموضوع ويعتمد المفارقات الضاحكة، كما نجد المبالغة واضحة في مفردات الرسم والتعليق وبالنتيجة، فلهذا الكاريكاتير مضمون انتقادي يغمز من قناة الجهات الامنية (انذاك) التي بلغ من ضعفها ان تركت القتلة يسرحون ويمرحون على هواهم.
مما يوجب على المواطن ان يحتاط ويتولى حماية نفسه بنفسه.
وانها لمفارقة حقا ان يبدأ الكاريكاتير اول ما يبدأ مشواره قبل خمسة وسبعين عاما بالتصدي لموضوع التدهور الامني. كما يفعل اليوم وهو يقارع الارهاب والانفلات الامني على صفحات الصحف.
وقبل صدور حبزبوز بسنوات.. كان المرحوم (ميخائيل تيسي) قد اصدر عام 1925 جريدة هزلية سماها (كناس الشوارع) كانت تحمل مع اسمها الثابت، صورة مرسومة لكناس يحمل مكنسته.. وكانت هذه الرسمة.. الصورة الوحيدة في الجريدة.
وتتكرر في كل عدد. وفي كل الاحوال لا يمكن لنا اعتبارها كاريكاتيرا كاملا. لانها علاوة على تواضع رسمها، تفتقر الى عنصر المفارقة، وهي في احسن الاحوال، صورة توضيحية لا غير، مثلها مثل غيرها من الرسوم القليلة التي كانت ترافق عناوين بعض الصحف قبل الثلاثينيات، ويؤكد هذا قول المرحوم الاستاذ صادق الازدي، صاحب مجلة (قرندل).. (قبل صدور حبزبوز في ايلول 1931 كانت الجرائد والمجلات الاسبوعية الضاحكة لا تعرف الصور الكاريكاتيرية الا في بعض عناوينها الثابتة وتقتصر على وجه رجل او امراة. وهكذا شأن بعض الجرائد مثل (كناس الشوارع) والكرخ والكرخي.. والملا.. وجحاا الرومي وغيرها الكثير).
لذا نعود فنؤكد باننا نعتبر تاريخ 1931/9/29 هو يوم ولادة الكاريكاتير العراقي (وهو ايضا تاريخ صدور اول عدد من صحيفة حبزبوز) للاسباب التالية:
1. الرسم الذي نشرته حبزبوز في هذا التاريخ على صدر صفحتها الاولى يعتبر رسما كاريكاتيريا ايجازيا كاملا بالمفهوم العصري. لانه يتضمن عناصر الرسم والموضوع والمفارقة والمبالغة ثم المضمون والهدف. والتي بمجموعها تشكل عناصر الكاريكاتير.
2. قام برسم هذا الكاريكاتير فنان عراقي هو (عبدالجبار محمود).
3. مفردات هذا الرسم الكاريكاتيري وفكرته عراقية خالصة.
4. هذا الكاريكاتير نشر على غلاف العدد الاول من صحيفة عراقية هي حبزبوز في 1931/9/29 ويحدث هذا اول مرة في تاريخ الصحافة العراقية انذاك..
ويؤكد كل ما ذهبنا اليه تولي السيد جميل الجبوري في كتابة (حبزبوز) حين يذكر (لقد كانت حبزبوز) اول جريدة عراقية وظفت الرسوم الكاريكاتيرية فيما تنشره).
وقد لاقت جريدة حبزبوز نجاحا كبيرا ورواجا لم تسبقها اليه صحيفة اخرى بفضل ادخالها للكاريكاتير كمادة جديدة على الصحافة العراقية وبفضل قلم صاحبها ومحررها الساخر الفكه نوري ثابت (رحمه الله) حتى عدت جريدة الشعب الاولى بحق.