عراق كارتون – Iraq Cartoon

فن الكاريكاتير في الصحافة العراقية منذ النشوء وحتى الوقت الحالي

فن الكاريكاتير في الصحافة العراقية منذ النشوء وحتى الوقت الحالي

بقلم: صلاح نادر المندلاوي
2010-11-01
اضغظ للحصول على الحجم الطبيعي للصورةفي منتصف شهر أيلول من عام 1931، نشرت جريدة (حبزبوز) البغدادية الفكاهية على صدر صفحاتها الأولى، صورة كاريكاتيرية ساخرة، بهوية محلية جديدة، بريشة الرسام عبد الجبار محمود. وقد انتقدت هذه الصورة التهكمية حالة الانفلات الأمني الحاصل يوم ذاك التي كادت تؤدي بحياة نوري ثابت نفسه صاحب جريدة (حبزبوز)، حيث أظهرت نوري ثابت بملابس الفرسان الأوربيين. وهو يمتطي المدفع الفلكلوري (طوب أبو خزامة) المعروف لدى البغداديين، حاملاً بيده قلماً طويلاً كسلاح الرمح القديم وقد التفت بوجهه إلينا بابتسامة ساخرة وهو يعلق عن محاولة اغتياله تلك من خلال حوار يضم سؤال وجواب بلهجة عامية كتبت تحت الصورة كما يلي:

شنو هاي حبزبوز، أشوفك راكب على طوب أبو خزامة، تريد تصير مثل سلطان مراد؟!، فيرد حبزبوز: (لا مولانا لكن ما دام أبنص اوتيل أنضرب ست رصاصات، فمنا وغادي قررت بعد ما اركب بعربانة أو سيارة، بل أخذت هذا الطوب من وزارة الدفاع حتى أتجول عليه.. هم المسألة اقتصادية لان معلوم حضرتكم هنا يلهم التراب يصير بارود ويلهم الحجار يصير دان أي (قنابل) أريد رجال إلي يتقدم).
وكان المرحوم (نوري ثابت) قد تعرض قبل أن يصدر جريدته بأيام قليلة، وبينما كان يجلس في (أوتيل ما شاء الله) الواقع في محلة الحيدر خانة في شارع الرشيد إلى محاولة اغتيال من قبل شخص أطلق عليه الرصاص فأخطأه.. ثم فر هارباً.

ورغم ان فن الكاريكاتير اكتسب شرعيته الصحفية منذ أمد بعيد جداً.. فقد أشارت المصادر التاريخية أقدم ما عرف بعلاقة الكاريكاتير بالصحافة كان في الصين منذ أكثر من ألف سنة تقريباً..! كما عرف الكاريكاتير في أوربا منذ بداية القرن التاسع عشر من خلال رواج الطباعة (الجرافيكية) على ألواح الزنك والأحجار الليثوغرافية.

آما نشأة فن الكاريكاتير العربي فقد كان مع بداية تطور الصحافة المصرية في ثلاثينيات القرن المنصرم، بما يمتاز للفنانين المصريين بروح النكتة ونفاذ الفكرة ورشاقة الخطوط، فضلاً عن إسهامهم المتفاعل في عملية النقد الاجتماعي والسياسي الجاد بكل حرية وسداد. وقد استخدم الكاريكاتير في الصحافة كسلاح نقدي وتوجهي مهم، يهاجم، يوعظ، يستفز، يمرض، يعري، يستهزئ… الخ، متمتعاً بدوراً جماهيرياً وشعبياً كبيراً في استلهام ومعالجة وطرح الموضوعات الساخنة على الساحة بشكل ملحوظ.

إلا إن هذا الفن الرفيع والخطير لم يدخل صحافة العراق، إلا من خلال بعض رسوم الصحف والمجلات الواردة إلى البلد في العقد الثالث من القرن الماضي.. ولعدم وجود متخصصين برسم الكاريكاتير، فقد كانت تتم تقليد وتحوير هذه الرسومات (الأجنبية) بطريقة ما… و بالتأكيد لا تحمل في ثناياها روحية فنان، أو إنها تنتسب بهوية خاصة.. إلآ ان أول كاريكاتير مميز بمعناه الفكري والتنفيذي والذي كان اللبنة الأولى لصرح الكاريكاتير العراقي فيما بعد هو الرسم الذي نوهنا عنه سلفاً والذي نشر يوم 19/9/1931.

وقد دبت (الموتيفات) الصحفية البسيطة والمقتبسة تأخذ حيزها المتواضع هنا وهناك في الصحف الأخرى حينذاك على أنها (كاريكاتيرات) ..
مع بداية تعدد الصحف والمجلات الفكاهية الهزلية، اتسمت هذه الفترة بالتطور السريع لفن الكاريكاتير، وكانت أولها وأبرزها جريدة (حبزبوز) الساخرة، إذ كانت لها الريادة الصحفية الصحيحة في رسم هوية وملامح الكاريكاتير الناقد على الصفحات الأولى من أعدادها في المجلات السياسية والاجتماعية العامة، وكان أول من رسم لهذه الجريدة هو الفنان عبد الجبار محمود ثم الفنان ناصر عوني وسعاد سليم كذلك الفنان المعروف فائق حسن الذي رسم الكاريكاتير في فترة مبكرة من حياته التي قضاها في الرسم اثر رجوعه من فرنسا.

إلا أن أول من رسم كاريكاتير بطابع عراقي خالص وهوية محلية خاصة هو الفنان الشعبي الشهير غازي عبد الله، التي نالت رسوماته الساخرة استحسان وتعاطف جميع أبناء الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه، فقد كان يرسم بروحية صادقة وانسجام متكامل مع ما يرسمه بتقاليد وبيئة وأمثال وأغاني الفلكلور العراقي…

وقد ظل يرسم منذ نهاية الأربعينيات حتى وفاته عام 1999 إلا إن طابع ومميزات سخريته المرسومة لها نكهة خاصة، فقد كان بحق مدرسة أصيلة للكاريكاتير العراقي.

وما بين فترة منتصف الستينيات والسبعينات، برزت نخبة جديدة من رسامي الكاريكاتير الشباب (المتخصصين)، وهم يحملون أفكاراً واعية ورغبة جامحة بتجسيد واستلهام الواقع الاجتماعي مل له رؤيته الخاصة في عملية الترجمة الموضوعية، وكل لديه إسلوبه الفني الذي يميزه عن الآخرين، حيث الاختزال في الخطوط والمتعة في المشاهدة، وقد أثبتت رسوماتهم حضورها الجماهيري الفاعل ونستطيع أن نطلق عليهم الرعيل الثاني وهم عامر رشاد وعادل شنتاف وبسام فرج وضياء الحجار وفؤاد حسون ومؤيد نعمة ورائد نوري وعبد الرحيم ياسر ونزار سليم وموسى الخمسيني…

ومع بداية الثمانينات، برزت مجموعة أخرى من رسامي الكاريكاتير يحملون السمة المتميزة بهذا الفن ويمتعون بمواهب فنية وفكرية حاذقة ومنهم: خضير الحميري، عبد الكريم سعدون وعباس فاضل وشيرين الراوي وحمودي عذاب وعلي الدليمي وكفاح محمود وعبد الحسن وعلي المندلاوي وناصر ثامر واحمد الربيعي وآخرون.

أما جيل التسعينيات فكان للفنانين أركان الزيدي وصلاح نادر المندلاوي وامجد حميد وشمال جمال وبرهان المفتي وعفراء صلاح الدين والذين كان لكل منهم بصمته الخاصة في هذا الفن ولم يقتصر فن الكاريكاتير في العراق على الصحافة فقط، بل كانت له معارضه المتخصصة الشاملة على قاعات العرض التشكيلية وعلى الهواء الطلق.. فضلاً عن المشاركات الدولية وحصده على جوائز متقدمة في المحافل العالمية لفن الكاريكاتير.

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *