عراق كارتون – Iraq Cartoon

فنّ الكاريكاتير من منظور فلسفي

فنّ الكاريكاتير من منظور فلسفي

فنّ الكاريكاتير من منظور فلسفي

محمد عرفات حجازي

فنّ الكاريكاتير من الفنون التشكيلية المُحبّبة لقلوب الناس وعقولهم، ليس فقط لأنّه يُضحكهم ويُرفّه عنهم ما يجدون في واقعهم التعس، وإنّما لجرأته في التعبير عن همومهم، والبوح بما يختزنونه في صدورهم، وربّما، حين يُصوَّب على الأخطاء ليُصلحها، يُدغدغ أحلامهم في حياة أفضل..

يمتلك فنّ الكاريكاتير القدرة الساحرة على السخرية، وعلى ممارسة النقد ببلاغة فائقة، بل يمكن القول أنّه: البلاغة إلى أقصاها.. ومع ذلك يظلّ السؤال عن مدى تأثيره وقدرته على حلّ مشكلات بعينها؟!

يُعدّ الكاريكاتير فنّ ساخر من فنون الرسم، وهو صورة تُبالغ في إظهار تحريف الملامح الطبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، إمّا بطريقة بسيطة جدًّا أو مُبالغ فيها، وعادةً ما يتمّ تقديمه بطريقة ساخرة لنقد السلبيات أو لمدح الإيجابيات.

والكاريكاتير اسم مُشتقّ من الكلمة الإيطالية <كاريكير>، التي تعني “يُبالغ، أو يُحمّل ما لا يُطيق”، والتي كان موسيني أول مَن استخدمها سنة 1646م. وفي القرن السابع عشر كان جيان لورينزو برنيني ـ وهو مثّال ورسّام كاريكاتيري ماهر ـ أول مَن قدّمها إلى المجتمع الفرنسي، حين ذهب إلى فرنسا عام 1665م.

وقال الفنان محمد عبد اللطيف (صحفي ورسام كاريكاتير بجريدة اليوم السابع) أن: الكاريكاتير هو فنّ انفعال الإنسان بكلّ ما يدور حوله باعتباره جزءًا من مجتمعه بكلّ مشكلاته وتعقيداته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهو فنّ جموح الخيال والسخرية نحو واقع مؤلم.. وهو بالأساس فنّ تحريضي لتغيير المجتمعات للأفضل، وكبسولة مُركّزة لأفكار دسمة، غلافها السخرية ـ التي هي بالأساس فلسفة لدى شعوب كثيرة على رأسها وفي المقدمة الشعب المصري..

وهو نظرة تهكّمية تعتمد على دقّة الملاحظة، وسُرعة البديهة، مع نظرة تُنقّب عن السخرية في المواقف، من خلال تقاطيع الوجه وتعبيرات الجسد في شكل مختلف عن الواقع.

ولعلّ هذه العملية المُعقّدة تُوضّح أنّ أهمّ مُواصفات فنان الكاريكاتير الموهبة الخاصة جدًا، والتي يُعزّزها نوعٌ من الذكاء والقدرة على التحليل، والبديهة السريعة التي تُسعفه للتعبير عمّا يُريد، بالإضافة إلى قدراته على اختيار اللفظ الخفيف القصير، وإدراكه لكلّ ما يدور حوله من مشكلات وأحداث بجانب توافر الثقافة العامة لديه وإحساسه بكلّ ما يدور في أذهان الناس من أفكار ومشكلات وهموم. ولهذا قال فنان الكاريكاتير الإنجليزي فيكي: من الصعب جدًا العثور على فنان كاريكاتير مُتميّز في فنّه.

وأشارت فنانة الكاريكاتير المصرية الشابة دعاء العدل (جريدة المصري اليوم) إلى أنّه ليس هناك ميثاق مُعلن للكاريكاتير، ففنان الكاريكاتير لا بدّ أن يكون من النزاهة بحيث إنّه لا يستخدم الكاريكاتير لمصالحه الشخصية، بل يتعيّن عليه أن يرسم ما يتوافق مع ضميره والشأن العام.

إنّ الصورة الكاريكاتيرية رسالة من الفنان إلى المُتلقِّي من خلال سياق مُشترك قائم على بنية الواقع الذي يعيشونه معًا، ومن هذا المُنطلق، فإنّ الفكرة الكاريكاتيرية تنقسم إلى أنواع منها: الكاريكاتير الاجتماعي الذي يُبرز من خلاله الفنان قضايا وتناقضات الواقع الاجتماعي، والكاريكاتير السياسي والغرض منه نقد الواقع السياسي سواء على المستوى المحلي أو العالمي. ومن خلال بساطته يكون له تأثيرًا كبيرًا؛ لأنّه يُعبّر بصدق وشفافية، ويبعث على البسمة والضحك، والأمل أحيانًا.

ورغم استخدام رسام الكاريكاتير الخطوط البسيطة في نقل المعنى والمضمون، إلا أنّ له الدور الأبرز في الدفاع عن قضايا مهمة كحقوق الإنسان، وإظهار عيوب المجتمع في صورة ساخرة مُمتعة تدعونا إلى إحداث التغيير في ثوابت راسخة مُتجذّرة في الواقع، غالبًا ما تتطلّب التجديد.

وقد قال المؤرخ الفني جومبريتش، والمُحلّل النفسي والمؤرخ الفني إرنست كريس: تطوّر الكاريكاتير من نُكتة مُعقّدة تُلقى لإمتاع أصدقاء الفنان ليصبح سلاحًا اجتماعيًّا يكشف القناع عن ادّعاء القوة ويقتل بالسخرية. فالكاريكاتير كما يقولون: قد يكون مُعبّرًا عن الشخص أكثر من نفسه.

ويقول الفنان هاني شمس (رسام كاريكاتير جريدة أخبار اليوم): دور الكاريكاتير في المجتمع هو التنبيه والإشارة إلى وجود ظواهر سلبية، وذلك عن طريق إلقاء الضوء عليها وفضحها بشكلٍ ساخر، ربّما لا يضع حلولًا لذلك، فهو ليس دور الفنّ عمومًا، لكنه يرصد الظواهر السلبية، ويُحلّلها، ويُوجّه أصابع الاتّهام وينتقد المُخطئين من وجهة نظر الرسام طبعًا. وهناك دور آخر للكاريكاتير في تحديد توجّهات المواطن العادي ـ الذي ربّما لجأ لرسام الكاريكاتير يُتابعه على مدى سنوات، ونشأت بينه وبين القارئ أواصر ثقة، ليُحدّد من خلاله توجّهاته عندما يلتبس الأمر عليه في كثير من الأحيان والمواقف.

ويُبرز الفنان الكاريكاتيري الساخر واحدًا من أشدّ الأسلحة التعبيرية مضاءً في معركة الوجود القائمة.

فرسام الكاريكاتير في العالم الغربي، يُؤلّف صورة للتناقض الحاد بين آمال الرسام وحقائق وجوده الصارخة.. إنّه شبح التوقعات غير السعيدة لعصر ينتظر نهاية مأساوية لهذه الحقبة الراهنة.. إنه المُعبّر عن اغتراب الإنسان ووجوده التعس.

وهو في عالمنا العربي المُشتّت، يحمل قوّة الهجاء العنيف التي تتصدى لكافة مظاهر الفساد والانحلال، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي، سياسيًّا أو دينيًّا، فنيًّا أو أخلاقيًّا إلخ..

إنّ الهدف من فنّ الكاريكاتير ليس الضحك والسخرية فقط، بل هو تقويم وتهذيب وإصلاح ونقد ـ في كثير من الحالات؛ وذلك من خلال نقد أشكال القُبح أو النقص أو الخروج عن المألوف داخل المجتمع. وتكمن خطورة هذا الفنّ في سهولته وبساطته وسرعة وصوله إلى عقل كلّ إنسان باختلاف ثقافته أو وظيفته أو وضعه الاجتماعي.

وذهب الأديب الروسي مكسيم غروكي إلى أنّ فنّ الكاريكاتير ذو قيمة اجتماعية نافعة، يعكس أشياءً مُختلفة غير منظورة بوضوح لنا، وبأسلوب بسيط، يعكس لنا وجوهًا وأنماطًا جديدة مُعيّنة لتصرّفات أناس يعيشون بيننا. ورأى الكاتب الصحفي عادل حمودة أنّ فنّ الكاريكاتير فنٌّ مُشاغب ومُشاكس، يجرح ولا يُدمي، يُوقظ ولا يقتل، لكن في مثل هذا الواقع العربي المرير الذي يختلط فيه الهزل بالإهانة، نجد أنّ فنّ الكاريكاتير يتجاوز السخرية إلى تعليم الناس وإقناعهم بالثبات على مواقفهم، ويُحاول أن يُعيد إلى المُتلقِّي الحقائق المفقودة والبديهيات التي ذابت في الغيوم.

وقد لمع الكاريكاتير الساخر خلال ثورات الربيع العربي بشكل واسع. فأصبح في تونس جزءًا لا يتجزأ من الحدث السياسي، وتُعدّ نادية خياري من أشهر رسامي الكاريكاتير في تونس بعد ثورة الياسمين. وفي مصر، كان للكاريكاتير دورٌ كبير في النهضة الثقافية، والذي عكس طبيعة المجتمع المصري ودُعابته وفكاهته مُنذ القدم، الأمر الذي جعل الدكتور محمد صابر ـ وزير الثقافة ـ يدعو إلى نشر ثقافة الكاريكاتير؛ لأنّها شديدة الروعة والتعبير والروح الفكاهية أحيانًا والعبثية أحيانًا أخرى. وقال في حوار أجرته معه صحيفة الأهرام: الشعب المصري فنان، وأَدْرَك أنّ الرسم وسيلته في التعبير، والسخرية السلاح الرئيس الذي أدركه قادة الحروب منذ سنوات.

إنّ الكاريكاتير هو إحدى ملامح الديمقراطية، وأحد أهم الأغصان الجديدة في شجرة السلطة الرابعة. ومن حيث الأسلوب، يعتمد المبالغة في تضخيم أو تصغير القسمات والملامح واللعب العابث بها. ولأنّ هذا الفنّ في أغلب أحيانه له علاقة بالسياسة والقضايا الكبرى في العالم عامة والوطن العربي خاصة، فإنّ الأمر يضيف أبعادًا جديدة على أهمية هذا الفنّ. وربّما نستطيع أن نقول: إنّ فنّ الكاريكاتير هو الأقرب إلى الإنسان العربي لكونه فنًّا طريفًا ومُمتعًا من جهة، وهو ضربة قاضية تُصوّبها ريشة راسمها عبر إدراج رأي مُعيّن في حركة فنيّة خفيفة من جهة ثانية.

وقد بقيت أعمال العديد من فناني الكاريكاتير خالدة، كونها تحمل قدرًا كبيرًا من الشفافية والاستشرافية وقراءة الواقع بصدق وخيال خلاّق، ضمن منظومة ترتكز على الأخلاق والفكر المستنير، في إطار لوحة تقوم على الانتقاد اللاذع، والتعبير النثري الذي لا يخلو من الوجع بالأزمات السياسية التي مرّ بها الوطن العربي. فكان صدق انتماء هذا الفنان أو ذاك ـ هويته، والإيمان بقضيته جواز سفره إلى العالم أجمع..

إنّ فنان الكاريكاتير يحمل قلمين، ويُحارب جبهتين، ويتّجه في سبر أغوار الدواخل من خلال منظارين. إنّه وهو يمضي في نزع الأقنعة، وسبر أغوار النفوس، لا ينسى أنّه مُحارب، وأنّه يحمل سلاحه في معركة المصير.

وبعد هذا، أفلا يكون الفنان الكاريكاتيري فيلسوفًا ورسام تناقضات ومُحاربًا في ذات الوقت؟!..

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *