عراق كارتون – Iraq Cartoon

الكاريكاتير عالم الرسوم الساخرة

الكاريكاتير عالم الرسوم الساخرة
الكاريكاتير عالم الرسوم الساخرة
مهدي سلمان الرسام

 

يعد فن الكاريكاتير من اهم الوسائل المعبرة عن القضايا الاجتماعية والسياسية، بطريقة مختزلة، وتحظى بمتابعة واسعة من قبل قراء الصحف والمجلات وحتى المواقع الالكترونية.

وعلى الرغم من التأريخ العريق الذي يملكه الكاريكاتير في العراق، الا ان هذا الفن شهد خلال السنوات الاخيرة تراجعا واضحا لم يسعفه الاتساع الكبير في اصدار الصحف والمجلات على الساحة العراقية، لاسباب تتعلق بالانحسار المستمر لمساحة حرية التعبير، والازمة التي يعانيها الاعلام المكتوب في العراق.

الكاريكاتير هو فن ، يعتمد على رسوم ، تبالغ في تحريف الملامح الطبيعية ، أو خصائص ومميزات شخص أو حيوان أو جسم ما . غالباً ما يكون التحريف في الملامح الرئيسية للشخص ، أو يتم الاستعاضة عن الملامح بأشكال الحيوانات ، والطيور ، أو عقد مقارنة بأفعال الحيوانات.

الكاريكاتير اسم مشتق من الكلمة الإيطالية “كاريكير”( Caricare) التي تعني ” يبالغ ، أو يحمَّل مالا يطيق ” (Overload) والتي كان موسيني (Mosini) أول من استخدمها ، سنة 1646. في القرن السابع عشر، كان جيان لورينزو برنيني ( Gian Lorenzo Bernini) وهو نحّات و معماري ( مصمّم نوافير روما المشهورة) ورسام كاركاتيري ماهر، أول من قدمها إلى المجتمع الفرنسي ، حين ذهب هناك عام 1665.

فن الكاريكاتير فن قديم ، كان معروفاً عند المصريين القدماء ، والآشوريين ، واليونانيين . فأقدم صور ومشاهد كاريكاتيرية ، حفظها التاريخ ، تلك التي حرص المصري القديم على تسجيلها على قطع من الفخار والأحجار الصلبة ، وتشمل رسوماً لحيوانات مختلفة ، أُبرزت بشكل ساخر اضطلع برسمها العاملون في تشييد مقابر وادي الملوك ، بدير المدينة ، في عصور الرعامسة ، ويرجع تاريخها إلى عام 1250 قبل الميلاد. ولا تُعرف الغاية ، التي توخاها الفنان المصري من هذه الرسومات ؛ فلعلها كانت إشارة غير صريحة ، إلى العلاقة غير المتوازنة ، بين الحاكم والمحكوم ، التي كانت سائدة في تلك الفترة ، جسّدها النحاتون في أسلوب ساخر ، خفي المعنى.

وجديرُ بالذكر ، أن فن الكاريكاتير ، كان شائعاً عند اليونانيين الذين ذكروا أن مصوراً يونانياً يدعى بوزون ، صوّر بعض المشهورين من أهل زمانه ، في شكل يدعو إلى السخرية ، الأمر الذي أدى إلى عقابه غير مرة ، من دون أن يرتدع. ذكر بلنيوس المؤرخ ، أن بوبالوس وأتنيس ، وهما من أشهر مثّالي اليونان ، صنعا تمثالاً للشاعر الدميم ايبوناكس ، وكان التمثال أشد دمامة، إلى درجة أنه كان يثير ضحك كل من كان ينظر إليه ؛ فاغتاظ الشاعر منهما ، وهجاهما بقصيدة لاذعة ، لم يحتملاها ، فانتحرا. ومن اشهر رسامي الكاريكاتير في العراق

مؤيد نعمة ، عبد الرحيم ياسر ، خضير الحميري ، عدنان عباس ، شيرين الراوي وهي اول رسامة كاريكاتير في العراق ، احمد الربيعي ، علي المندلاوي ، رضا حسن رضا ….واخرون .

وقد ازدهر فن الكاريكاتير في إيطاليا ، فأبدع الفنانون الإيطاليون كثيراً من الأعمال الفنية. ومن أشهرهم تيتيانوس (1477-1576)، الذي عمد إلى مسخ بعض الصور القديمة المشهورة ، بإعادة تصويرها بأشكال مضحكة.

يجد المتابع للصحف العراقية في بغداد بين الحين والآخر رسماً كاريكاتيرياً لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي او رئيس الجمهورية جلال الطالباني، في موقف يعرض وجهة نظر انتقادية لعمل هذين المسؤولين او بشكل يؤيدهما. وهذه الرسوم تكررت في واقع الامر مع ساسة آخرين في حكومات سابقة أعقبت سقوط نظام صدام. ولكن هذه الرسوم التي تشخص المسؤولين في الدولة العراقية الجديدة تنشر عادة في صحف صغيرة او معارضة للحكومة، ومن قبل رسامين مجهولين، ما عدا رسوم قليلة ظهر فيها نوري المالكي، على صفحات الشرق الاوسط الدولية التي توزع في بغداد بشكل يومي، فهي بريشة رسام معروف هو امجد رسمي.

وفي كل الاحوال، يبدو ان هذه الرسوم المنشورة في الصحف العراقية، والتي تنتقد شخصيات في الحكومة بالاضافة الى تلك التي تصور اوضاعاً او حالات انسانية يمر بها المواطن العراقي، يبدو ان هذه الرسوم لا تثير حفيظة رجال الدولة، ولم يلاحق أحد ما هؤلاء الرسامين بسبب رسومهم. وهو أمر يؤشر عادة في خانة (حرية التعبير) التي تتسع في مكانٍ ما وتضيق في مكان آخر في الاعلام العراقي.

المشهد العام للكاريكاتير في العراق الآن يؤشر استمرار هيمنة الجيل السبعيني والثمانيني من رسامي الكاريكاتير، وغياباً واضحاً للمنافسة من قبل رسامين أحدث عمراً. فعقب سقوط نظام صدام، كان ثلاثة من أكثر رسامي الكاريكاتير شهرة في العراق، يسيطرون ببساطة على مساحات الرسم الكاريكاتيري في اغلب الصحف العراقية الجديدة. حيث كان الراحل مؤيد نعمة ينشر على مساحة نصف صفحة في جريدة المدى البغدادية، رسماً كاريكاتيرياً وبشكل يومي، بالإضافة إلى خضير الحميري الذي أنتقل من المدى الى جريدة الصباح الجديد، ثم استقر مؤخراً على صفحات جريدة الصباح شبه الحكومية. والرسام الثالث هو عبد الرحيم ياسر، الذي يعرف بكونه رساماً مقلاً ولا يميل إلى كتابة تعليق داخل رسمه الكاريكاتيري. وهو ينشر أيضا في جريدة الصباح بالإضافة إلى صحف أخرى.

 

وقبل وفاته مطلع ديسمبر 2005 كان مؤيد نعمة ينشر في عدة صحف. وهذه العمل في صحف كثيرة يؤشر في الحقيقة غياب منافسة رسامين آخرين لهم قدرة فنية وآدائية تماثل ما لدى هؤلاء الرسامين الثلاثة.

ومع ذلك، فأن المتصفح للجرائد العراقية سيجد للكاريكاتير حضوراً دائماً، في كل صحيفة تقريباً، برسوم أقل جودة موقعة بأسماء شبابية ظهرت مع صحافة العهد الجديد، والكثير من هذه الأسماء ربما تختفي بعد ظهور قصير، كما أن صحفاً أخرى لا تتورع عن نشر رسوم ركيكة جداً تشبه رسوم المبتدئين والتلاميذ، تحت خانة الكاريكاتير. وهذه الصورة بمجملها تؤشر تراجعاً في حضور هذا الفن، وتلاشي ما كانت الصحافة العراقية تعتز بتسميته ” المدرسة العراقية في فن الكاريكاتير”، تمييزاً لها عن مدارس عربية شهيرة.

 

كان لرسامي الكاريكاتير في الثمانينيات شعبية كبيرة لدى متابعي الصحف والمجلات العراقية. وكانت مجلات شهيرة مثل “ألف باء” تعطي مساحة أكثر من أربع إلى خمس صفحات أسبوعيا لثلاثة رسامي كاريكاتير على الأقل. بالاضافة الى الصحف اليومية التي تنشر الكاريكاتير بنسبة عالية. واصدر بعض هؤلاء الرسامين كتباً خاصة برسومهم، إلا ان فترة التسعينيات شهدت هجرة عدد من الرسامين مثل علي المندلاوي، او التفرغ للفن التشكيلي أكثر، مثل عبد الكريم السعدون، أو الوفاة مثل ما حصل مع عباس فاضل، الرسام الأكثر شعبية في تلك الأوقات، والذي خلق شخصية “أم ستوري” الشهيرة، ليعبر من خلالها عن انتقاداته للظواهر الاجتماعية أو عمل بعض دوائر الدولة.

وكان أغلب الرسامين، إن لم يكن كلهم، واقعاً ـ في رسومه السياسية ـ تحت ضغط حاجات المؤسسة الاعلامية للنظام. وهذا ما يبدو انه تغير بعد سقوط النظام. فاضحى الرسام حراً في رسم ما يشاء، دون املاء من احد. وكانت هناك حاجة واضحة لدى بعض الصحف العراقية الجديدة لانتقاد النظام السابق في الرسوم الكاريكاتيرية، وهذا ما تحول الى موضة شائعة، ثم سرعان ما هيمنت موضوعات الساعة على الرسم الكاريكاتيري، من الزحامات الشديدة في العاصمة الى الحواجز الكونكريتية المتكاثرة، إلى الفساد الإداري، إلى الصراعات السياسية، وغياب الأمن وغيرها من الموضوعات التي تلقى اهتماماً من قبل المواطن العادي.

ومن الأشياء الطريفة أن يعيد خضير الحميري نشر واحد من رسومه في التسعينيات، وكأن المشكلة التي سخر منها وانتقدها في ذلك الوقت مازالت حاضرة، حيث يظهر في الرسم مصباح في غرفة عائلية. العائلة تلتفت فجأة الى المصباح بعد صدور صوت منه. المصباح يضيء لثانية او ثانيتين وهو يقول للعائلة: نعتذر عن هذا التيار، ونواصل الانقطاع. الحرية التي نتحدث عنها عند رسام الكاريكاتير العراقي ليست مفتوحة على مصراعيها بكل تأكيد، فلم يقترب رسام الكاريكاتير من الشخصيات الحزبية، خصوصاً الدينية منها، كما ان الاملاءات والتوجيهات من قبل ادارات الصحف للرسامين ليست غائبة تماماً. ثم أنهم لا يتجاوزون عدد اصابع اصابع اليد الواحدة أصلاً.

وهذه الندرة في رسامي الكاريكاتير المحترفين ربما تدفع أسماء جديدة متمرسة في الرسم عموماً لدخول هذا المجال. الذي يحتاج، بالاضافة الى المهارة في الرسم، الى الثقافة والوعي وحس المفارقة والدعابة، وهذه الصفات هي التي ميزت اساطين الرسم الكاريكاتيري في العراق.

المصادر / ملتقى العراقيين والعرب

موقع نقاش / الكاتب احمد السعداوي

مهدي سلمان الرسام

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *